فخر الدين الرازي
558
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وثالثها : قول أكثر المفسرين وهو أن الضمير عائد إلى الحجارة ، وأن الحجارة لا تعقل ولا تفهم ، وذكروا على هذا القول أنواعاً من التأويل . الأول : أن من الحجارة ما يتردى من الموضع العالي الذي يكون فيه فينزل إلى أسفل وهؤلاء الكفار مصرون على العناد والتكبر ، فكأن الهبوط من العلو جعل مثلًا للانقياد ، وقوله : مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، أي ذلك الهبوط لو وجد من العاقل المختار لكان به خاشياً للّه وهو كقوله : فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ [ الكهف : 77 ] ، أي جداراً قد ظهر فيه الميلان ومقاربة السقوط ما لو ظهر مثله في حي مختار لكان مريداً للانقضاض ، ونحو هذا قول بعضهم : بخيل تضل البلق من حجراته * ترى الأكم فيه سجداً للحوافر وقول جرير : لما أتى خبر الزبير تضعضعت * سور المدينة والجبال الخشع فجعل الأول ما ظهر في الأكم من أثر الحوافر مع عدم امتناعها من دفع ذلك عن نفسها كالسجود منها للحوافر ، وكذلك الثاني : جعل ما ظهر في أهل المدينة من آثار الجزع كالخشوع . وعلى هذا الوجه تأول أهل النظر قوله تعالى : تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] ، وقوله تعالى : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ النحل : 49 ] الآية ، وقوله تعالى : وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ [ الرحمن : 6 ] . الوجه الثاني : في التأويل : أن قوله تعالى : مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أي ومن الحجارة ما ينزل وما ينشق ويتزايل بعضه عن بعض ، عند الزلازل من أجل ما يريد اللّه بذلك من خشية عباده له وفزعهم إليه بالدعاء والتوبة . وتحقيقه أنه لما كان المقصود الأصلي من إهباط الأحجار في الزلازل الشديدة أن تحصل خشية اللّه تعالى في قلوب العباد صارت تلك الخشية كالعلة المؤثرة في حصول ذلك الهبوط ، فكلمة « من » لابتداء الغاية فقوله : مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، أي بسبب أن تحصل خشية اللّه في القلوب ، الوجه الثالث : ما ذكره الجبائي وهو أنه فسر الحجارة بالبرد الذي يهبط من السحاب تخويفاً من اللّه تعالى لعباده ليزجرهم به . قال وقوله تعالى : / مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أي خشية اللّه ، أي ينزل بالتخويف للعباد أو بما يوجب الخشية للّه كما يقال : نزل القرآن بتحريم كذا وتحليل كذا أي بإيجاب ذلك على الناس ، قال القاضي : هذا التأويل ترك للظاهر من غير ضرورة لأن البرد لا يوصف بالحجارة ، لأنه وإن اشتد عند النزول فهو ماء في الحقيقة ولأنه لا يليق ذلك بالتسمية . أما قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فالمعنى أن اللّه تعالى بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم وحافظ لأعمالهم محصي لها فهو يجازيهم بها في الدنيا والآخرة وهو كقوله تعالى : وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [ مريم : 64 ] وفي هذا وعيد لهم وتخويف كبير لينزجروا . فإن قيل : هل يصح أن يوصف اللّه بأنه ليس بغافل ؟ قلنا : قال القاضي : لا يصح لأنه يوهم جواز الغفلة عليه وليس الأمر كذلك لأن نفي الصفة عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحتها عليه ، بدليل قوله تعالى : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [ البقرة : 255 ] ، وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [ الأنعام : 14 ] واللّه أعلم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 75 ] أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 75 )